حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح

تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، حادثة اعتقال الإرهابي قاسم مصلح قائد عمليات الحشد الشعبي غرب محافظة الانبار منذ عام ٢٠١٧ والذي يقود أيضا اللواء المعروف باسم ” الطفوف ” وذلك من قبل القوات الحكومية يوم الأربعاء المصادف ٢٦-٥-٢٠٢١ ، ثم الاحداث التي تلت هذه الواقعة من تجييش ضد المنطقة الخضراء من قبل الحشد الشعبي في نفس ذلك اليوم،  واستنفار القوات الحكومية وتوقع المواجهة بين الطرفين، ثم جاءت النهاية بإطلاق سراح الإرهابي المذكور.

معظم هذه التحليلات ركزت على الصراع الجاري بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وبين تلك المجاميع التابعة للحشد الشعبي الموالية لإيران، صراع وصفته هذه الوسائل بكونه يجري في الخفاء تارة ويظهر للعلن تارة أخرى، واختصروا تعريف هذه الاحداث بعبارة “الصراع بين الدولة واللا دولة “.

المتابع للشأن السياسي في العراق يدرك بأن هذا البلد ومنذ عام ٢٠٠٣ هو في قبضة قوات لا تمت الى مصالح الجماهير في العراق بأية صلة، بدءً من القوات الامريكية البريطانية التي احتلت العراق آنذاك ، وصولا الى يومنا هذا حيث اصبح البلد رهينة عصابات طائفية قومية تفرض اجندتها بالترويج للافكار الطائفية والقومية تارة وبقوة السلاح عبر مواجهة الاعتراضات الجماهيرية بالحديد والنار واغتيال ناشطي هذه الاعتراضات تارة أخرى، اما الوضع الاقتصادي والخدمي الناجم عن هذه السياسات فحدث ولا حرج، دعك من الفساد المشتري في شرايين هذه السلطة بحيث بات الفساد “ثقافة سلطوية” تتميز بها تلك الأطراف وتمارسها من دون أي رادع.

يتوهم من يعتقد بأن مصطفى الكاظمي يمتلك أجندات جوهرية مختلفة عما يمتلكها الجانب الآخر، كلا الطرفين هم، كما يقال شعبيا، ( لازم وملزوم ) فلا الكاظمي يمكنه التفرد بالسلطة من دون الحشد الشعبي ولا الحشد يمكنه الاستمرار في جرائمه من غير مظلة الحكومة الطائفية القومية، ان كان رئيسها عادل عبدا لمهدي أو الكاظمي أو غيرهما، فالكاظمي جاء من رحم هذه الأوضاع و”كمنقذ ” لهذه السلطة الحاكمة وذلك بمحاولته اخماد انتفاضة أكتوبر التي بات استمرارها، وان لم يكن بنفس الزخم السابق، تورق مضاجعهم .

 اطراف النزاع الحالي هم منظومة متكاملة واحدة، وليس طرفا على حساب طرف آخر، هذه المنظومة بحاجة الى جميع اطراف هذا النزاع، بل وفي بعض الأحيان، حتى الى النزاع نفسه،  انهم كل واحد لا يمكن تفريقهم وتجزئتهم وتصنيفهم على أساس من يسعى لبناء دولة ومن يريد بقاء اللا دولة !، انها منظومة موحدة، رغم اختلافاتها الجزئية، تقف بالمرصاد أمام طرف أساسي آخر، أي الجماهير في العراق، تلك الجماهير المتطلعة الى العيش والحرية والأمان، طرف فيه تطلعات المرأة المضطهدة التي تعاني الامرين معا، سلطة ذكورية مُباح لها ما تفعل، وقمع مجتمعي تضمنه القوانين الرجعية،  وفيه مطالب جيش من المعطلين والمعطلات والشباب والشيوخ، تلك هي الجبهة المناهضة والمعادية لهذه الشلة الحاكمة أي لهذه المنظومة، وما الانتخابات المزمع اجراؤها لاحقا سوى صراع من اجل الهيمنة والنفوذ لتيار رجعي على حساب تيار رجعي آخر داخل نفس هذه المنظومة، انتخابات لا تهدف سوى لإضفاء الشرعية على هذه السلطة برئاساتها الأربع (الجمهورية ، الوزراء، البرلمان و السلطة القضائية )، و بقواتها الأمنية وقوات حشدها الشعبي ومراجعها الدينية وفتاويها وكل من ساهم في إيجاد هذه السلطة وبسط نفوذها ويعمل على ابقاءها، أي بتعبير أدق إعطاء الشرعية لهذه المنظومة المتكاملة الفاسدة. ولا ننسى بأن سلطة إقليم كوردستان تنتمي الى نفس هذه التشكيلة، بل هي جزء أساسي منها.

منذ ٢٠٠٣ ونحن نرى كيف تسقط هذه المنظومة، من خلال سياساتها الرجعية المعادية لآمال الجماهير في الحضيض، ولكن حضيض هذه المرة من غير قاع .

٣١ – ٥ – ٢٠٢١

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

هامش الحرية والجو السياسي المنفتح في العراق

نادر عبدالحميد رافق سقوط نظام البعث عام (٢٠٠٣) شعورا بالفرح، ليس فقط في أوساط الجمهور ...

%d مدونون معجبون بهذه: