أي كأسٍ، وأي عالم ؟ بمناسبة (كأس العالم، فيفا قطر ٢٠٢٢ )

عبدالله صالح

قبل أن ندخل في صلب الموضوع ، دعونا نلقي نظرة على هذه اللعبة وعشق الملايين من البشر لها وأنا من بينهم.

كرة القدم فن، كغيره من الفنون، وفن راق، أنه جهد جماعي في سبيل تحقيق هدف واحد وهو الفوز، ،واذا جاز لنا التعبير يمكن تشبيهه حتى بالصراع، هذا الجهد الجماعي يتخلله التفنن في أداء اللعبة وفي التعامل مع هذه الساحرة المستديرة التي تسمى الكرة، فامتزاج الفن الجماعي مع الروح الرياضية ومع الانضباط العالي والخطط الكروية التكتيكية الناجحة، يولد لدى متابعي ومحبي هذه اللعبة احساس انساني، إحساس بالوحدة والاتحاد الذي يصعب تحقيقه على ارض واقع الحياة،  إحساس بكون احدى جوانب جمالية الحياة وديمومتها تكمن في الاتحاد والتفنن وخلق الابداع، والابداع الكروي داخل الملعب هو واحد من مجمل الابداعات التي يخلقها الانسان ليسعد من هم حوله من خلال المشاهدة ، وتلك هي احدى جوانب تعلق الملايين من البشر بهذه اللعبة.
الكرة تخلق الاحاسيس، فبالاضافة الى الاحاسيس الانسانية، تخلق “أحاسيس وطنية ” كذلك، وان كانت تصب في خانة السلطات الحاكمة ، فحين ترى منتخب بلدٍ ما يفوز بالبطولات، تتوحد تلك الاحاسيس لدى المواطن وتدخل الفرحة في القلوب، وتنسيهم مآسي و آلام الحياة ولو للحظة، هذه ليست حالة مادية ملموسة بل هي حالة نفسية وعاطفية للإنسان وبالأخص المتابع أو الهاوي أو “العاشق” للكرة، شيوخا وشباب، نساءً وأطفال.

الا أن الرأسمال، كنظام، والذي دخل في ادق تفاصيل الحياة ومفرداتها، لم يستثني لعبة كرة القدم، وذلك كي يفضي طابع الجشع الذي يتسم به على هذه اللعبة كذلك، فيفسد علينا حتى متعة المشاهدة والمتابعة التي يزداد عشاقها يوما بعد يوم، فأصحاب المليارات يشترون اعرق وافضل النوادي العالمية كما هو الحال الآن في أوروبا، ومن أجل الربح فقط، ويشترون اللاعب ليصبح ملكا لصاحب النادي الذي يفرض ويحدد مأكله وملبسه ومنامه وحتى علاقاته العائلية وكأنها عبودية ولكن من نوع آخر، اضف الى ذلك فان هذه اللعبة تخلق سوقا رائجة للرهانات وهناك من يربح الالاف وراء دخوله في لعبة الرهانات وهناك بالطبع من يخسر، وكأن النوادي الرياضية أصبحت مكانا للمقامرة، ناهيك عن سوق السماسرة الرائج لبيع وشراء اللاعبين.. أما الحكام باعتبارهم عناصر مهمة تتحكم في سير المباراة فلم ينجوا، قسم منهم، من الفساد والارتشاء، وهي حالة واردة بشكل واضح وبالأخص لدى المنتخبات والنوادي الخليجية، لذا نرى بأن بطولات كرة القدم التي تجري في تلك الدول يعين فيها حكام أجانب وبالاخص الاوربيين منهم!

بدأت بطولة كأس العالم لكرة القدم في قطر يوم الأحد المصادف ٢٠ / ١١ / ٢٠٢٢ بعد أن منحتها الفيفا ( الاتحاد الدولي لكرة القدم ) أواخر عام ٢٠١٠ حق تنظيم هذه البطولة في مسرحية مخزية تخللتها الرشاوي والفساد بحيث طالت رأس الفيفا آنذاك ( جوزيف سيب بلاتر ) و رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم آنذاك ( ميشيل بلاتيني ) وقدم الرجلان الى المحاكم ثم أطيح بهما، وبعد أن رافق حق استضافة قطر للبطولة الكثير من الجدل. مظاهر هذا الجدل تتجلى في النفاق الذي تمارسه الدول الغربية إزاء قطر، فهي تنتقده في مجال حقوق الانسان ولكنها تختار الصمت إزاء سياساتها الأخرى، فهذه الدولة الخليجية ، وتحت مظلة تلك الدول، تورطت ،ماديا ومعنويا، في دعم أشد المنظمات الإرهابية الإسلامية،  بدأً من طالبان ووصولاً الى داعش والآن الدعم المادي غير المحدود للدكتاتور رجب طيب اردوغان رئيس تركيا.

لقد أدركت قطر بأن العباءة الإسلامية، اليوم وخلال أيام المونديال، لا تنفع في مواجهة الانتقادات الواسعة التي تتلقاها يوميا إزاء سياساتها ففضلت ارتداء العباءة القومية فتوهِمْ البعض من ” السذج ” بأن هذه الانتقادات جاءت كون قطر دولة عربية!

من جملة محاولات قطر لصرف الانتباه عن النقد الذي توجه اليها هي شراء ذمم بعض من مشاهير كرة القدم  كـ ( بيب كوارديولا و ديفد بيكهام  والبرازيلي كاكا ) وغيرهم مما تجعله يبدو أسوأ، انه  لا يعدو ا كونه ترنيمة قذرة للمال والسلطة أكثر منه احتفالا بهيجا باللعبة.

ان بناء هذه المنشئات الرياضية الضخمة جاء على حساب حياة آلاف العمال الأجانب الذين عوملوا كعبيد، وقد نشرت عدة منظمات حقوقية تقارير مفصلة، عن الظروف المزرية التي كان هؤلاء العمال يعيشون فيها، داخل مستعمرات مغلقة ودون وسائل حياة آدمية. فالانتهاكات الجسيمة لحقوق العمال الوافدين تلطخ المونديال وصورة هذه الدُوليه الخليجية ، فقد كانت هناك ساعات عمل طويلة وسط ظروف قاسية للعمال وخصوصا في فصل الصيف، ولم تكن تصرف لهم الاجور بانتظام او حسب الاتفاق المبرم بين الطرفين، المأوى المخصص لهم يفتقر الى أبسط الشروط الصحية، المأكل لايسد رمقهم كون اجورهم لا تصرف بانتظام وحتى وصل الامر الى حد إطعام هؤلاء من قبل بعض “المنظمات الخيرية”، وأما الاصابات والموت جراء العمل الشاق فحدث ولا حرج، ووفقًا لتقرير صادر عن صحيفة الغارديان البريطانية، توفي الآلاف من العمال الذين جاءوا  من الهند وبنغلاديش والنيبال وسريلانكا وباكستان وذلك في السنوات العشر التي تلت منح قطر حق تنظيم بطولة كأس العالم ،هناك قصص مروعة عن ظروف عمل وعيش هؤلاء العمال تقشعر لها الابدان، انهم يبنون صرح مجمعاتهم الرياضية وقصورهم الفخمة على حساب مأساة الملايين من العمال، إن أماكن كأس العالم اللامعة والرائعة، ومستودعات الصوت والضوء هذه، تشيد بكفاءة قوة العمل المستعبدة من هؤلاء العمال وغيرهم من المهاجرين العاملين على تنفيذ هذا المشروع العالمي وهنا يأتي السؤال التالي : هل يجب أن نجلس في هذه الساحات لمشاهدة كرة القدم !؟

ولا يخفى علينا  السجل المخزي لقطر في مجال حقوق الانسان وبالذات حقوق المرأة وحقوق مجتمع الميم .

تلك هي الحالة، فأينما نذهب نرى الوحش الرأسمالي واقفا أمام الأعين، فعن أي كأس وعن أي عالم يتحدثون ؟أنه حقا عالم المظالم والمجاعة والقتل والحروب ، عالم لا يستحق أن يُحكم من قبل هذا النظام الرأسمالي البربري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تداعيات الحرب الامريكية الإسرائيلية على ايران ، التحالف العسكري السعودي التركي الباكستاني نموذجا!

 عبدالله صالح   ((الحرب سياسةٌ حين تفشل الكلمات، واقتصادٌ حين تتصارع المصالح، ومأساةٌ حين يدفع ...

بمناسبة الذكرى الثامنة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في العراق

رشيد إسماعيل تمر علينا الذكرى الثامنة لانبثاق منظمة البديل الشيوعي في العراق، التي تشكلت واشتد ...

مسارات الحركة الاحتجاجية

طارق فتحي نشرت جريدة "طريق الشعب" في عددها الصادر يوم الخميس المصادف 20-8-2026،احصائية بعدد الحركات ...

بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية

مقدمة مؤيد احمد 31/8/2026  كتبت المقال ادناه اثناء قيام الحكومة الداعشية لـ أحمد الشرع في ...

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53 لقراءة العدد يرجى النقر على الرابط التالي: أعزاءنا قراء ومتابعو ...