
صحيفة ڕەوت: شكراً جزيلاً رفيقة هلالة على حضورك في هذا اللقاء. إن القتل الجماعي للمتظاهرين في بداية العام الجديد من قبل قوات الجمهورية الإسلامية قد صدم وهزّ بشدة البشرية المتحررة. كيف ترين آثار هذا القمع الدموي على الجماهير المحتجة في إيران؟ وهل هذا مؤشر على نهاية الجمهورية الإسلامية؟
هلالة طاهري: قبل كل شيء، أود أن أقول إنني أشاطر هذا الحزن العميق مع كافة الإخوة والأخوات، الآباء والأمهات، والشباب، وكل أولئك الذين فقدوا أحباءهم، لأن هذه الكارثة هي ذاتها الحزن الكبير الذي عشته أنا وعائلتي في بداية ثورة عام 1979، عندما وصلت الجمهورية الإسلامية إلى السلطة وحملنا هذا الحزن الكبير لسنوات. أنا معكم من أعماق قلبي، وآمل أن أرى ذلك اليوم الذي نحقق فيه هزيمة الجمهورية الإسلامية ونتمكن من إحياء ذكرى هؤلاء الأحبة في الميادين الكبرى للمدن.
إن الجمهورية الإسلامية قد تلاشت من الداخل، ولم يتبقَ منها شيء. لم يتبقَ لها سوى أداة واحدة لحماية نفسها، وهي القوات العسكرية، “الحرس الثوري” والوحدات القمعية التي تستخدمها ضد الجماهير. بالإضافة إلى ذلك، نرى جسد الجمهورية الإسلامية يتآكل سنوياً، خاصة بعد ثورة “مهسا ژینا أميني”، ونرى كيف يكرس هذا النظام كل قواه من أجل البقاء. بهذا المعنى، فإن الجمهورية الإسلامية كانت دائماً في حالة تلاشي وهزيمة.
نحن نرى بأن هذه الحكومة القمعية لا تستطيع الاستجابة لمطالب العمال، ولا تستطيع وضع الخبز على موائدهم الفارغة. نحن نرى تعرض النساء والشباب للاضطهاد يومياً في المدارس، الجامعات، الأحياء، الأسواق والشوارع. لكن في المقابل، هناك مقاومة ضد التحركات الوحشية للجمهورية الإسلامية، ولا يزال الشعب يناضل من أجل الحرية، والمساواة، والحريات الاجتماعية الواسعة، وحرية التعبير.
نحن شهود على مقاومة السجناء السياسيين يومياً داخل السجون، وحتى أولئك الذين يمثلون أمام محاكم الجمهورية الإسلامية بدون حجاب، إنهم يرسلون الرسائل من داخل السجون ويدعون الناس للمقاومة والاستمرار في النضال. كما نرى تظاهر الجالية الإيرانية في الخارج يومياً ضد الجمهورية الإسلامية وفضح جرائم النظام. نحن شهود على كل ذلك، والجمهورية الإسلامية قلقة جداً من هذا الوضع، لأن هذه الظروف المتسارعة يمكن أن تؤدي إلى انهيارها؛ لذا فهي تستخدم المزيد والمزيد من العنف ضد كافة الحركات الاحتجاجية. على مدى القرن الماضي، وخلال فترة حكم الجمهورية الإسلامية في إيران، شهدنا الكثير من الثورات، منها ثورات أعوام 1996-1998، ثورة “مهسا ژینا أميني”، والثورة القادمة ضد الفقر وضد الجمهورية الإسلامية نفسها. في كل هذه الثورات، قدم العمال والنساء والشباب تضحيات جسيمة وفقدنا الكثير من الأحبة.
أما ما حدث في فترات زمنية مثل شهر [كانون الثاني /يناير]، فهي جرائم يجب تسميتها بجرائم ضد الإنسانية. إن قطع الإنترنت، وإيقاف الاتصالات، وإطلاق النار المباشر على الناس في الشوارع والمستشفيات والأسواق، والذي أدى إلى مقتل آلاف الأشخاص، هو وصمة عار تاريخية. يجب النظر في هذه الجرائم في محاكم دولية أو شعبية مماثلة لمحاكم «نورنبرغ»، ويجب محاسبة جميع مسؤولي الجمهورية الإسلامية. في هذه الفواجع، فقدَ شباب وأطفال ونساء حوامل وكبار سن حياتهم، وأُصيب المجتمع بجرح عميق. ولهذا السبب، تزداد الفجوة بين الجمهورية الإسلامية والشعب عمقاً يوماً بعد يوم. إنها فجوة لن تُردم أبداً بالوعود والخداع؛ فالناس لا يسامحون ولا ينسون. وهذا الأمر بالذات جعلهم أكثر جسارة وتصميماً على إسقاط هذه الحكومة. من وجهة نظر الشعب، فإن نهاية الجمهورية الإسلامية أمر حتمي. هذا هو المطلب الواسع للمجتمع، ولا سيما الشباب والنساء والطبقة العاملة والكادحين، الذين دفعوا الثمن لسنوات وليس أمامهم خيار سوى مواصلة النضال لإسقاط هذا النظام.”
ره وت : تهديد الحرب الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية قد ألقى بظلاله على الوضع السياسي الداخلي في إيران، وان أجنحة المعارضة البرجوازية المختلفة مستعدة لاستغلال أي تغيير لصالحها. هل تعتقدين أن حركة الجماهير لإسقاط النظام الإسلامي يمكن أن تنجح وتكتمل لصالح العمال والكادحين والنساء المضطهدات؟ وماذا يجب أن تفعل الحركة العمالية والشيوعية في إيران بهذا الصدد؟
هلالة طاهري : تهديد الحرب، حرب الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل، ضار جداً بمصالح الشعب. الجمهورية الإسلامية لن تكون الضحية الأولى لهذه الحرب، لأن الحكومات دائماً ما تجعل الشعب هو الذي يدفع الثمن. الضحايا هم الناس: العمال، الأطفال، النساء، والرجال في جميع الطبقات. لذلك، فإن تهديد الحرب يشكل خطراً كبيراً على نضال الجماهير، فهم من يحاولون اسقاط الجمهورية الإسلامية بأنفسهم.
هذه التهديدات تخدم مصالح الرأسمالية. تخدم نوعاً آخر من الرأسمالية التي تريد العودة إلى إيران. بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، فإن تنصيب (رضا) بهلوي في السلطة أسهل، لكي يتمكنوا من التوصل إلى اتفاقيات اقتصادية معه، واستخدام رؤوس الأموال والموارد الإيرانية بطريقتهم الخاصة، وكذلك السيطرة على القوى السياسية والمعارضة. لذا، فإن الشعب لديه مشاكل كثيرة مع هذا السيناريو. نحن نعلم أن حوالي 10% من المجتمع يريدون رحيل النظام بأي شكل من الأشكال، أيا كان يحل محله، حتى لو حل رضا بهلوي، لكن غالبية الناس لا يقبلون بذلك. فهم من أسقطوا في الماضي ذلك النظام، فلماذا يعيدونه؟ مافائدة ذلك بالنسبة لهم؟ مجرد تغيير نموذج رأسمالي بنموذج رأسمالي آخر، سيتحول البلد مرة أخرى إلى جحيم للعمال والفقراء. لذلك، فإن الغالبية العظمى من الجماهير لا يريدون ذلك. إنهم لا يريدون الحرب الإمبريالية لأمريكا وإسرائيل. لقد رأوا أن حرب الـ 12 يوماً الإسرائيلية كانت فقط لمصلحة الحكومات، وكذلك التهديدات الأمريكية في عهد ترامب. نرى الآن أنهم يتفقون في أماكن مثل (مسقط)، لكن لا يهمهم مقتل مئات الآلاف في إيران.
ره وت : لقد أكدتم كثيراً على أن الثورة في إيران هي ثورة نسائية وان جوهرها هو تحرر النساء، وهي ضد الإسلام السياسي والحركة القومية، ولا مكان لـ(رضا بهلوي ) فيها؟ هل النسوية( الفمينيستية) النيوليبرالية اليوم بعيدة عن نضال التحرر النسائي؟ ما ذا تعني هذه النظرة وهذا المنهج؟ وما هي منطلقاتها الواقعية ؟
هلالة طاهري : يجب إنشاء جبهة ثالثة، جبهة لا تريد الجمهورية الإسلامية ولا تدخلات الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل وتغيير النظام (من الخارج). جبهة تعتمد على العمال، والحركة العمالية والاحتجاجات الداخلية…جبهة تقوم بتأسيسها قيادات من منظماتهم الخاصة، مثل( المجالس) حيث ينظمون أنفسهم من خلال هذه المجالس لتوحيد الحركات الاجتماعية المختلفة وتأسيس حكومة مجالسية. في هذه الحكومة، يمكن للعمال والنساء والرجال وحتى الأقليات القومية المشاركة والقيادة. ويعتبر هذا عبئا ثقيلاً على عاتق الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، وبشكل خاص الطبقة العاملة.
في شهر كانون الثاني/يناير، ومع اشتداد حدة العنف من قبل الجمهورية الإسلامية ضد الشعب، عُقد مؤتمر في ستوكهولم (السويد) اجتمعت فيه ست تيارات اشتراكية وشيوعية، وأصدروا بياناً أعلنوا فيه عن بديل (مجالسي) لمستقبل الحكم في إيران. هدفهم هو أن تتضامن الأحزاب الاشتراكية والحركات الثورية والاجتماعية في الداخل والخارج للتعاون من أجل تأسيس هذه الجبهة الثالثة وتقويتها.
أما فيما يخص دور الحركة النسائية، فلطالما كنت أؤمن بأن الثورة المستقبلية في إيران هي ثورة نسائية. بعد ثورة (مهسا أميني)، ظهر هذا بشكل أوضح؛ حيث نرى الحضور الواسع للنساء، والنضال ضد الحجاب الإجباري وضد الأبارتايد (الفصل) الجنسي بقيادة النساء والشباب. لقد ملأ هذا الصراع ولأول مرة الساحة السياسية في المجتمع الإيراني، وأظهر الحضور القوي للمرأة ومدى قوة حركاتها التحررية والمساواتية، وكيف سيكون لها تأثير كبير على مستقبل إيران السياسي.
هذه الحركة لم تنشأ فجأة، بل بدأت منذ بداية صعود الجمهورية الإسلامية إلى السلطة، عندما فرض الخميني الحجاب الإلزامي على النساء، وأصبحت النساء أول الأعداء العلنيين بعد الثورة. خلال الـ 47 عاماً الماضية، استمرت هذه الحركة بأشكال مختلفة، وغيرت المجتمع، والآن الثورة الحالية هي نتيجة هذا الكفاح التحرري للنساء. هذه الحركة ليست ضد الجمهورية الإسلامية فحسب، بل ضد الإسلام السياسي بكل أشكاله، وضد الحركة القومية أيضاً، وضد أي مكان يحاولون فيه تهميش النساء. ان حركة النساء واسعة ومتنوعة، من النسوية الإسلامية إلى النيوليبرالية، الليبرالية، وصولاً إلى الاشتراكية والسكولارية (العلمانية) والشيوعية. لكن السمة الرئيسية لاحتجاج النساء في إيران هي العلمانية ولها ارتباط قوي بالحركة الاشتراكية، وهذا ما يشكل وجه المجتمع. لذلك، كان لدى النساء داخل حركتهن صراعات مع النسوية النيوليبرالية والنسوية الإسلامية، وهذه الأولى غالباً ما يتم دعمها من قبل الإصلاحيين والثانية مرتبطة بالدولة. هذه الحركة التحررية للنساء، رغم القمع، جذبت دائماً عدداً كبيراً من النساء الشابات الى صفوفها، وهذا مهم جداً، لأننا يجب أن نعرف بأن حركة حرية النساء هي أيضاً حركة طبقية، ولها جذور في نضال الطبقة العاملة، وقريبة من الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وتلك الخدمات الاجتماعية الواسعة التي يطالب بها المواطنون تأتي من خلال الحركة العمالية. لذلك، فإن حركة حرية ومساواة النساء تعود للطبقة العاملة والنضال الاشتراكي لذا لها أعداء كثر، وخاصة الحكومة الإسلامية.
رهوت: إذا كانت الثورة في إيران ثورة نسائية، فهل تعتقدين بأن مسألة تحرر المرأة مرتبطة بقوة بالنضال الاشتراكي؟ ولماذا برأيك تعتبر لائحة حقوق المرأة ضرورية في الوقت الحالي؟
رداً على سؤالكم، يجب أن نقول إن إمكانات وثقة الشعب في النضال الجماعي، مع كل تلك الجرائم التي حدثت، لم تخمد فحسب، بل إن الناس بصدد إعداد أساليب جديدة للنضال؛ بما في ذلك إقامة تجمعات حاشدة لإقامة مراسم عزاء ودفن الأعزاء الراحلين مع غناء الأناشيد والرقص والاحتفال. يريد الناس أن يقولوا إنهم لن يخضعوا مرة أخرى للأعراف الإسلامية والحداد الذي تفرضه الجمهورية الإسلامية، وغضب الشعب لا يزال مستمراً. في هذين الأسبوعين الأخيرين، أصدرت عشرات البيانات والرسائل المفتوحة من قبل النشطاء والقادة العماليين وتنظيماتهم، والعديد من الطلاب وتشكلاتهم، والنقابات والمجموعات الثقافية والاجتماعية، للتنديد علناً بجرائم الجمهورية الإسلامية والتعبير عن غضبهم. في هذا الأسبوع نفسه، نشهد استئناف النضالات العمالية، رغم أنه تم اعتقال عدد كبير من النشطاء العماليين مرة أخرى. إن المجتمع السياسي في إيران غير قابل للعودة حتى إلى ما كان عليه قبل شهر واحد. لقد تجاوز الشعب ،المنظيمات ، النساء ، العمال والشباب نظام الجمهورية الإسلامية. من المؤكد أن هذا الوضع سيؤدي إلى تغييرات جدية. لكن كل جهدنا ينصب على أن تصب هذه الجهود في اتجاه الهدف العام للنضالات العمالية والحركات العلمانية، بما في ذلك حركة تحرر المرأة. في هذا الصدد، فإن مطالب حركة النساء قريبة جداً أيضاً من منصة الحركة العمالية، أو ما نسميه ‘الحكم المجالسي’ (حكم المجالس): حريات واسعة، مساواة كاملة حقوقياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً مع الرجال، ظروف أفضل للعاملات، القضاء على جميع الثقافات الأبوية والدينية التي تؤدي إلى كراهية النساء واستعبادهن، وفي النهاية حياة كريمة للجميع. لهذا السبب، ترتبط حركة النساء والحركة العمالية والحركة الطلابية مع بعضها برباط عميق. يجب على هذه الحركات أن تتحد، وتعزز أصوات بعضها البعض، وتتعلم من بعضها البعض وتنشئ تنظيماتها الخاصة. من أجل ذلك المستقبل المشرق الذي كانوا يهتفون به في التظاهرات: لا للقائد، لا للشاه، نعم للحكم المجالسي ( الحكومة المجالسية) ! هذا المستقبل محتمل الوقوع إذا أدت القوة الجماعية إلى إنشاء مجالس واسعة في جميع القطاعات العمالية والمجتمع، لكي تنتهي إدارة المجتمع بيد المجالس والشعب.”
هه لاله تاهيري
07/02/2026
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
