مؤيد احمد
نعيش اليوم في عالم رأسمالي مترابط اقتصاديا الى اقصى الحدود بحيث ليس فقط راس المال هو الذي يتحكم بالحياة الاقتصادية والاجتماعية في جميع انحاء الكرة الأرضية، انما الصراع الطبقي بين قطبي هذه العلاقة، أي بين العمل وراس المال، بين البرجوازية والبروليتاريا في كل انحاء العالم اصبح عالميا اكثر مما مضى، وبالتالي فان السياسة، والتي ليست شيئا سوى العلاقة بين الطبقات الاجتماعية، أصبحت عالمية بشكل كبير أيضا. كما وان الصراع الطبقي وكمحرك تاريخ المجتمعات يجعل من تأسيس اممية بروليتارية اشتراكية ثورية مهمة لا تقبل التأجيل وذلك، بالرغم من هيمنة ونفوذ القوى البرجوازية على مسارات الأوضاع السياسية في بلدان العالم المختلفة وعلى الصعيد العالمي والإقليمي.
على العكس مما تقول لنا ظواهر الأشياء، فان الصراع بين هاتين الطبقيتين هو الذي يترك بصماته باستمرار على كل عمل سياسي وخطة سياسية والصراعات السياسية والفكرية للتيارات البرجوازية، ويضفي بطابعه على طبيعة الأحزاب وبرامجها وممارساتها السياسية وتكتلاتها وتحالفاتها العالمية والإقليمية وغيرها، بحيث لا يمكن الحديث عن فصلها عن هذا الصراع الطبقي باي شكل من الاشكال.
كما وان الحروب والصراعات الجيو سياسية والاستراتيجية والجيو اقتصادية بين الدول، ككيانات سياسية قومية لراس المال وضمن النظام السياسي البرجوازي العالمي المعاصر، وبين الدول الامبريالية والاقطاب الإقليمية وغيرها من الدول، هي حروب وصراعات ممثلي راس المال ودوله لتقاسم السوق العالمية فيما بينها، وهي حروب البرجوازية الحاكمة في كل دولة والتي ترتبط سياساتها الخارجية وحروبها ارتباطا مباشرا بإعادة انتاج تحكمها وسيادتها الطبقية داخليا على صعيد المجتمع، وبالتالي ذات علاقة مباشرة بالصراع الطبقي بين البروليتاريا والبرجوازية داخل بلدانها أيضا.
لقد تحول العالم الرأسمالي خلال 45 سنة الماضية بشكل كبير من خلال عولمة حركة وتراكم راس المال اكثر فاكثر وفتح الأسواق العالمية من امامها، ولغاية ما اصطدمت بالأزمة الرأسمالية عام 2008، وتزامنا مع ذلك من خلال السياسات النيو ليبرالية الاقتصادية لراس المال خلال كل هذه الحقبة وحتى الان. غير ان هذه العولمة الاقتصادية وهذه السياسات النيو ليبرالية هي نفسها حملت، في مجمل بنيانها، بصمة هذه الحرب الطبقية بين العمل وراس المال، وان راس المال لم يخلق عالما سوى لتحقيق ذاته والذي بدوره لا ينفصل عن تشديد تناحره الطبقي الكامن في حركته وتوسيع مدى هذا التناحر باضطراد.
ان انطلاقة النيو ليبرالية الاقتصادية كانت ردا من قبل البرجوازية الامبريالية الغربية على ازمة الرأسمالية، غير ان هذا الرد لم يكن سوى حربا طبقية وسياسات اقتصادية وهجوم فكري وثقافي لفتح المجال وإزالة كل ما يعيق حركة راس المال وتراكمه، والتغلب على ازمة تراكمه. وهذا ما تطلب إزالة أي عائق امامه وازدياد أرباحه بمختلف الوسائل وفوق كل شيء وبالدرجة الاساس بشن حرب طبقية بالضد من الطبقة العاملة العالمية واتحاداتها ونقاباتها ووسائلها النضالية الجماعية، حربا هدفها وضع ثقل ازمته على كاهل هذه الطبقة العالمية مع ما يترتب عن ذلك من المزيد من افقارها وتشديد اضطهادها، وبتقليل مستمر لدور الدولة في توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية العامة لها.
ان اللائحة البرجوازية العالمية، هي الهجوم المكثف على كل قلعة من قلاع مقاومة كل من يعيش على قوة عمله وفرض سيطرتها عليه، وإزالة كل ما هو مرتبط برفاهيته. لقد ازداد تراكم راس المال بمستوى اسطوري في ايدي قلة في قطب، وتفاقم البؤس في القطب الآخر بالنسبة لمعظم سكان الكرة الأرضية. لقد أصبحت الدول البرجوازية في كل العالم وبشكل فاضح أداة اضطهاد راس المال بوجه البروليتاريا العالمية.
ليس هناك سياسة وعمل سياسي على درجة من الأهمية لا يرتبط بشكل او باخر بهذا الواقع الاقتصادي الاجتماعي العالمي وتناقضاته والصراع الطبقي الجاري في بنيته، او لا يعكس آثار احدى البديلين اللذين كانا قد اصبحا بشكل فعلي امام البشرية في غضون الحرب الامبريالية العالمية الأولى، وهي؛ اما انتصار الثورة الاشتراكية العالمية والاممية الاشتراكية الثورية واسقاط راس المال وبناء المجتمع على أساس رفاهية الانسان وتحرره من الاضطهاد الطبقي والقمع السياسي والحروب والتراجع المعنوي، او الادامة بسيادة راس المال وجرائمه وحروبه، وبكلمة وحسب قول روزا لوكسمبورغ؛ ( الاشتراكية او البربرية).
ان تفاقم الصراع الجيو سياسي والاقتصادي والجيو استراتيجي فيما بين الدول الامبريالية والدول البرجوازية الإقليمية على أساس ازمة النظام الرأسمالي المعاصر وتفاقم العسكرتاريا وسباق التسلح والحروب القائمة الان في أوكرانيا والابادة الجماعية في غزة وحرب إسرائيل وأمريكا في الشرق الأوسط والحرب بين إسرائيل والنظام السياسي الإسلامي في ايران والصعود المتزايد للنيو فاشية في البلدان الامبريالية الغربية، تشهد بمجملها تصاعد هذه الرجعية السياسية والعسكرتارية للقوى البرجوازية العالمية ودولها وتياراتها واحزابها وقواها المسلحة، والتي تضع بكامل ثقلها المدمر على نضالات البروليتاريا العالمية في كل بلد وتضع عراقيل هائلة امام نضالها الاممي الثوري والشيوعي وتفرق صف نضالها، ليس فقط على الصعيد الإقليمي والعالمي فحسب، بل داخل البلدان نفسها.
غير ان هذا الصراع الطبقي بين جماهير الشغيلة وبين راس المال لم يتوقف لحظة في أي مكان في العالم، وان القمع والحروب والصراعات الجيو سياسية تضع عوائق كبيرة امامه ولكنها عاجزة عن انهائه، لأن الصراع الطبقي ببساطة جزء من حياة راس المال نفسه وتناقضاته الداخلية وصراع اقطابها المضادة.
ان مساعي مختلف القوى الاجتماعية والسياسية لتحقيق الإصلاحات في هذا او ذاك الميدان من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بما فيها نضالات التيارات الإصلاحية داخل الحركة العمالية والحركة النسوية وحركة الشبيبة، هي جزء من ديناميكية الصراع داخل النظام الرأسمالي المعاصر ولها موضعيتها، ولكن نفس تحقيق تلك الإصلاحات ذات صلة وثيقة بالصراع الطبقي الدائر بين البروليتاريا والبرجوازية وبإمكانها ان تكون جزءً، من حيث الأفق والتوجه السياسي والممارسة العملية، من صراع البروليتاريا باتجاه تحقيق الهدف النهائي لإنهاء نظام الطبقات، أي تحقيق الثورة الاشتراكية الأممية، او تدعم القطب المقابل أي راس المال في إبقاء سطوته على البشرية، والسعي لتحقيق بعض الإصلاحات ضمن اطاره، وهذا ما بينته تجربة الأممية الثانية وتحولها الى أداة البرجوازية لخنق الثورة البروليتارية.
الاحتكار الرأسمالي لثمار التكنولوجيا والبحث العلمي
العائق امام تحرر البشرية
ان النظام الرأسمالي هو قبل كل شيء شكل وعلاقات انتاج معينة تحيط بالقوى المنتجة المادية والذهنية للبشرية بحيث تتقدم وتتطور الأخيرة في اطاره، ولكن بشكل انتقالي كي يحل محله، نظام وشكل اجتماعي آخر ارقى، الشيوعية، وذلك بسبب تطور تناقضاته الداخلية وليست لأسباب خارج عن هذه الديناميكية. غير ان إحلال نظام باخر ليس مجرد عملية ميكانيكية بل عملية صراع طبقي وسياسي وفكري وهذا ما يستوجب الوقوف عنده.
نحن في عهد حيث ان التطور التكنولوجي والقوة المادية والذهنية المنتجة في العالم في منحنى تصاعدي انفجاري، ان تطبيقات الروبوت والذكاء الاصطناعي في طريقها الى احداث تغييرات نوعية في مجالات الحياة المختلفة الاقتصادية والإدارية والخدمية والطبية والتعليمية والفنية وغيرها. كما وان السحاب الإنترنيتي واحتكاره بدرجة الأساس من قبل شركات أمريكية وصينية كبرى، اوجد عالما مترابطا تجمع هذه الشركات؛ كوكل والفيس بوك و امازون وتيك توك وعلي بابا وغيرها.
غير ان كل هذه التطورات لا تزال تحدث في اطار علاقات الانتاج الرأسمالي ويتحكم بها راس المال ويجري استخدامها في اطار هذه العلاقة الاجتماعية، وبالتالي لا يتم تطبيقها لصالح تحسين مستوى معيشة ورفاهية معظم سكان الكرة الأرضية، والارتقاء بالثقافة والتعليم الإنساني التحرري، بعيدا عن كل عصبية قومية ودينية وطائفية وعنصرية وجندرية وغيرها، ولا يتم استخدامها لصالح العمال والشغيلة العالمية وسكان كوكبنا عموما بالشكل الذي يحقق المساواة بين الافراد، ويفتح الافاق امام تطورهم الحر والخلاق. ليس هذا فحسب، بل لا يُخلّص كل هذ التقدم الهائل العلمي والتكنولوجي، البشرية من الاضطهاد الاقتصادي والافقار، ومن البطريركية والذكورية والقمع السياسي والتراجع المعنوي، دع جانبا الخلاص من الحروب او حتى توفير مياه صالحة للشرب للكثير من سكان الأرض.
من المعلوم، ان القوى المنتجة الاجتماعية، التي تتحكم بها راس المال، في كلا الشكلين راس المال الخاص ورأسمالية الدولة، ليست مكونة من وسائل الإنتاج والتكنولوجيا فحسب، بل من قوة العمل أيضا، ويشكل استغلال الاخيرة العنصر الأساس الذي يستند عليه الإنتاج من اجل الربح الرأسمالي. وهنا سر التاريخ ومحركه؛ الصراع الطبقي. ان الطبقة العاملة العالمية ونضالها من اجل الخلاص من عبودية نظام العمل المأجور، التي تتميز قوة عملها بإنتاجية فائقة في عهدنا، تشكل القوة المحركة لإحداث التغيير وتحرير نفسها ومجمل قوى المنتجة الاجتماعية من الاستغلال الرأسمالي الحاليالرسمالي. ان هذه المبادئ الأساسية والقوانين التي تتحكم بحركة راس المال والتي عبر عنها ماركس قبل 177 سنة، تثبت نفسها اليوم باضطراد في عالم لم يبق مكان فيه لم يصله راس المال وحركته.
وقائع العالم وتاريخ تطوره وسمات العهد الذي نعيشه تعطينا لوحة واضحة عما هو يجري وموجود؛ وهي عالم في حركة مستمرة لا يتوقف لحظة وشامل ومترابط وملئ بالتناقضات والصراعات والحروب، فان النضال من اجل تحرر القوى المنتجة المادية والذهنية من قبضة راس المال واخضاعها لصالح الانسان وضمان سلامة البيئة، نضال عالمي لطبقة اجتماعية موجودة في قلب نفس العملية التاريخية ونفس حركة راس المال العالمي. ان أي تصور سياسي وفكري او أي تيار وحركة وحزب او نشاط سيجد مكانه في التحليل الأخير اما هو على مسار التاريخ الصاعد او على مساره المعاكس، يكون جزءً من تحرير القوى المنتجة المادية لصالح البشرية ام ابقائها لصالح انتاج الربح الرأسمالي والمأساة التي تلازمها.
عندما ننظر الى العالم واحداثه ومحطات تطوره من هذه الزاوية التحررية الإنسانية الشاملة سنرى ان كل تقوقع في اطار الامة والقومية والفكر الديني والطائفي والوطن، وكل تقوقع في فكر ذكوري وعنصري وفاشي هو تقوقع في عهد ما قبل التاريخ الحقيقي والحر للإنسان.
ان اوليغارشيات راسمالية تملك راس مال هائل باتت تتحكم بسلطة الدولة البرجوازية بشكل مباشر في أمريكا و معظم بلدان العالم وان الاقتصاد الرأسمالي وعلاقته بالدولة بوصفها أداة اضطهاد طبقة ضد طبقة أخرى لم تكن اكثر وضوحا كما هوالان .
23 أكتوبر 2025
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
